الثلاثاء، 24 نوفمبر 2009

لولا الضغط ماذا كانت ستفعل؟

2/5/2008

بالرغم من أن الرشد قد تبين من الغي منذ زمن ليس بالقصير، ما زال بيننا من يصر عن وعي، وربما عن عدم وعي، على أن هناك عداوة ً بين إيران والولايات المتحدة، وأن عهد الرئيس الأمريكي، جورج بوش، تميز بأمور أهمها احتلال أفغانستان والعراق وزيادة الضغط على إيران وسوريا.
نعم, الولايات المتحدة احتلت العراق وأفغانستان. هذا صحيح، وهو أمر لا يرقى إليه الشك. ولعل إيراد ذلك يأتي من باب إيراد البديهيات التي تبهر الأنظار وتصم الأسماع عن الفقرة التالية وهي زيادة الضغط على إيران وسوريا.
بالنسبة لسوريا، نعم هناك ضغط كبير جداً جداً جداً. وهذا أمر لا يرقى إليه الشك أيضاً، لا بل إنه يتكشف كل يوم عن جديد. ومهماعملت سوريا من جهد، فهي في نظر الأمريكيين وأتباعهم تظل قاصرة عن أداء ما يريدون منها، وستظل متهمة بأي شيء يحدث في العراق، وسنظل نسمع عبارات وتصريحات من مثل: "لم تفعل سوريا ما يكفي لــ …"، أو "إن على سوريا أن تفعل المزيد لمنع تسلل (الإرهابيين) إلى العراق"، أو "ما زال هناك المزيد مما ينبغي أن تفعله سوريا في الشأن الفلاني"، أو "إنها تؤوي قادة الإرهاب..." وغير ذلك من العبارات، وكأن أمن دولةٍ ما يجب أن يقوم على حراسته الجيران. ولم ولن تنفعَ كل السِّـداد الترابية الشاهقة التي أقامتها سوريا على حدودها الشرقية حتى لو وصلت إلى عنان السماء، ولا الوحدات العسكرية والأمنية التي تمركزت على امتداد الحدود. كنا نسمع في سنوات ما قبل الغزو "الديمقراطي" للعراق كيف أن دور الجيران كان ينبغي أن يكون معكوسا بحيث يتبنى هؤلاء الجيران ما كان يعرف بالمعارضة ويوفروا لها الحماية والدعم والمكاتب والتدريب وغير ذلك.
هذا في الشق السوري، أما في الشق الإيراني، فالأمر مختلف، لا بل إنه ينطوي على قدر كبير من التضليل. فأنا شخصيا لا أدري متى كان هذا الضغط على إيران، وأنا من شهود هذا العصر الذين ما زالوا يعيشون مآسيه. الذي أعرفه هو جملة حقائق على الأرض لا يخطئها الذهن الصافي ولا العين إن أرادت أن ترى:
- لم أرَ أو أسمع بأي معركة بين إيران والولايات المتحدة منذ قيام ما يسمى الثورة فيها.
- بوش والمحافظون الجدد هم الذين "ثأروا" لإيران من العراق بعد أن هزمها في حرب السنوات الثماني. وهذا رأيناه بعيوننا وسمعناه بآذاننا وعشناه لحظة بلحظة. فبعد أن عجزت جيوش إيران وعملاؤها والمتعاملون معها من السماسرة على العِرض عن أخذ شبر واحد من أرض العراق على مدى سنوات الحرب الثماني، رأينا كيف أن بوش والمحافظين الجدد وآخرين لا تدري لِمَ يعادون العراق من دون أن يكون بينه وبينهم سبب للعداوة، رأينا كيف أن هؤلاء يرسلون جيوشهم لاحتلال العراق وتسليمه على طبق من ذهب لإيران، وهي اليوم التي تتحكم فيه عمليا من خلال أزلامها.
- بوش والمحافظون الجدد هم الذين أراحوا إيران من طالبان التي كانت تحكم أفغانستان قبل الغزو "الديمقراطي" الآخر أواخر عام ألفين وواحد.
- وفي عهد بوش الذي امتد لفترتي حكم كاملتين (8 سنوات بالتمام والكمال)، ويقال إنه متشدد تجاه إيران، تمكنت إيران من تطوير برنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم، والاحتفال بذلك جهاراً نهاراً. واليوم، لا تملك ما يسمونها "الأُسرة الدولية" غير تقديم المحفزات والمغريات لإيران لعل شيئا يغريها ويجعلها تعود ببرنامجها إلى الصفر، والاجتماعات تترى في هذه العاصمة أو تلك، لا بل حتى في مجلس الأمن، بهذا الخصوص!
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها، تركت الأبواب مشرعة أمام إيران ولبناء ترسانة من الصواريخ البعيدة المدى (شهاب ومشتقاته) التي تصل مدياتها كما تقول بعض الروايات إلى بروكسل.
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطاعليها، تمكنت إيران من تزويد صواريخها البعيدة المدى بعناصر الذكاء، حسب تصريحات وزير الدفاع السابق، الجنرال علي شمخاني. وتبين فيما بعد أن تلك العناصر من منشأ أمريكي.
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها أصبح نشاط حركة مجاهدي خلق صفراً واعتبرت حركة إرهابية وسلطوا على العزل من بقاياها في معسكر أشرف صبيانهم الحاكمين في بغداد المحتلة اليوم.
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها تم إنشاء خط لأنبوبي نفط ينقلان النفط العراقي من البصرة إلى معامل التكرير في عبادان في إيران.
ملحوظة: الأنبوب لم يتم إنشاؤه ليتوجه الى دولة يفترض أنها صديقة لواشنطن مثل الكويت أو السعودية، وليست عدوة، كما يفترض بعضهم، مثل إيران.
ملحوظة أخرى: مد أنبوب بصرة - عبادان يعبر مسطحا مائيا كبيرا هو شط العرب، في حين لا يتطلب مد أنبوب مماثل باتجاه الكويت أو السعودية هذه البهدلة؟
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها، طرد الحرس الثوري الإيراني المهندسين والموظفين والعاملين العراقيين في حقل نفط مجنون واستولى رجاله على 15 بئراً نفطية هناك، وفقا لمسؤولين في حكومة المنطقة الخضراء.
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها، لم تصنع الولايات المتحدة في كل إداراتها (إدارات بوش الأب وكلينتون وبوش الابن) مئات الواجهات السياسية المناهضة لنظام حكم طهران مثلما فعلت تجاه العراق خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي والسنوات القليلة الأولى من الألف الثالث الذي ما زلنا بفضل الله ونعمته نعيش فيه، ولم تعمل على تقسيم إيران إلى طوائف وأعراق، مثلما فعلت بالعراق، لا سيما أن إيران فيها من التنوع ما هو أكثر بكثير من العراق: سُنـّة وشيعة، وفـُرس وعرب وكرد وبلوش وآذريون ومسلمون ومسيحيون ويهود وزرادشتيون ومجوس وغير ذلك. هل سمع أحدٌ يوما أن واشنطن لعبت على هذه الأوتار في إيران؟ هل سمع أحد أن الصهاينة الذين يحتلون فلسطين لعبوا على هذه الأوتار وهم الذين هدد الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، بمحو دولتهم من وجه الأرض؟
- وفي ظل إدارة بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها، تمكنت إيران من حصد المليارات من عوائد النفط، لا سيما بعد الارتفاع الهائل لأسعار النفط، لتمويل مخططاتها الشعوبية والطائفية في العراق ولبنان واليمن وبين أبناء الشعوب التي تعاني من الفقر, ولم تستصدر الولايات المتحدة قراراً واحداً يحرم إيران من عائداتها ويمنعها من إمكان تقديم مساعدات ودعم لما درج الأمريكيون والصهاينة على تسميته "الإرهاب الفلسطيني"، كما فعلت مع العراق، مثلا.
- وفي عهد بوش الذي يصر بعضهم على أنه متشدد تجاه إيران ويمارس ضغطا عليها، لم تنقطع زيارات الرؤساء الإيرانيين إلى الولايات المتحدة شخصياً، لحضور قمة العالم في نيويورك كل عام، لا بل إن ما تسميه إيران الخميني، "الشيطان الأكبر" كان يوفر في كل مرة منبراً لكبار المسؤولين الإيرانيين من أمثال الرئيس الإيراني السابق، محمد خاتمي، الذي طالما تحدث عن "حوار الحضارات" في عقر دار العم سام، أو الرئيس الحالي، محمود أحمدي نجاد، للتحدث وإبداء وجهات النظر حتى في بعض الجامعات والمنظمات الأمريكية الأخرى خارج إطار مبنى الأمم المتحدة، في حين لم يكن الرئيس العراقي الراحل، مثلا، مسموحاً له أن يزور أو يزار طيلة فترة العقوبات التي امتدت أكثر من ثلاث عشرة سنة.
- لا أدري في أي خانة يمكن وضع اللقاءات المتكررة بين الأمريكيين والإيرانيين طيلة فترة الاحتلال؟ ولا أعلم كيف يمكن تفسير زيارة أحمدي نجاد إلى المنطقة الخضراء في بغداد المحتلة. وقد تم إعلان أنه سيقوم بتلك الزيارة قبل أسابيع من قيامه بها في حين أن الرئيس الأمريكي والمسؤولين الأمريكيين وغيرهم، يأتون إلى بغداد وغيرها من المدن العراقية خلسة وزياراتهم كلها غير معلنة وهم الذين يحتلون العراق وينشرون مئات الألوف من جنودهم ومرتزقتهم في ربوعه.
- كما أنني لا أعرف سببا مقنعاً واحداً يبرر إصرار واشنطن على مواصلة استعمال عملاء طهران في حكم العراق.
- ماذا عن تصريحات محمد أبطحي, نائب الرئيس الإيراني السابق، التي قال فيها على الملأ، "لولا طهران لما سقطت كابُـل وبغـداد". ولمصلحة من كان سقوطهما؟
- ماذا عن فتوى خامنئي قبل احتلال العراق بجواز الاستعانة بالكافر في احتلال العراق؟ وماذا عن فتواه التالية للاحتلال بأسابيع فقط بجواز عمل الشركات الإيرانية مع الجيش الأمريكي في ما سموه "إعادة إعمار" العراق؟
- وماذا عن تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية المتكررة، كوندوليزا رايس، عن أنه ليست هناك عداوات دائمة عند الحديث عن العلاقة مع إيران؟
- ماذا عن تصريحات المستشار الخاص لأحمدي نجاد بأن إيران صديقة للشعب الإسرائيلي وليست هناك عداوة بينهما؟
- الأخطر من كل هذا، أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة والغرب الذين منعوا وما زالوا يحاولون منع قيام دولة إسلامية، أو حتى إمكان تطبيق الشريعة الإسلامية في أيٍّ من بلاد المسلمين، تراهم سمحوا بقيام دولة يهودية على أسس توراتية ويحاولون فرضها وفرض هوية يهودية لها على الدنيا بأي ثمن. كما سمحوا بقيام دولة شيعية في إيران وما فتئوا يسمونها الجمهورية الإسلامية في إيران. استثناءان وحيدان في العالم!
كل هذه المنجزات الإيرانية الباهرة، وغيرها كثير من غير المعلن أو المعروف، تحصل في ظل عداء مفترض، وفي عهد بوش الذي ما زال بعضهم يصر على أنه وفريقه اليميني المحافظ متشددون تجاه إيران. ترى! كيف كان سيكون الوضع، وماذا كانت ستفعل إيران لو أن بوش كان ليـّـناً متساهلاً تجاهها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق