السبت، 26 يونيو 2010

عندما يشتمنا أوباما

عندما يشتمنا أوباما
عبد الله الصابر
26/6/2010

عندما قال الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش، إن سياسته نجحت في العراق فإنه بالنسبة لمن لديه أقل قدر من إحساس يسمى "كرامة" إنما كان يشتم العراقيين في كرامتهم. وعندما يأتي خلفه باراك أوباما ليراهن على أن الجنرال ديفيد بيترايوس الذي اختاره لقيادة قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان سينجح في مهمته الجديدة لا لشيء إلا لأنه "نجح في العراق" كما قال, فإنه هو الآخر يشتم العراقيين ويطعن كرامتهم. فنجاح هؤلاء هو إخفاقنا وهزيمتنا.

الشتيمة التي أتحدث عنها هي ما قاله أوباما حينما أثنى على الجنرال بيترايوس وهو يختاره في الرابع والعشرين من حزيران يونيو 2010 بديلاً للجنرال ستانلي ماكريستال الذي نقل عنه أنه استهان بالقيادة السياسية الأمريكية الحالية وتلفظ بكلمات لا تليق تجاه الإدارة الحالية ورجالاتها.

غير أن شتيمة بوش وشتيمة خلفِهِ أوباما وغيرهما ممن يحاولون أن يقنعوا الآخرين بأن مهمة الاحتلال نجحت في وضع الأشخاص الذين يريدونهم في مواقع معينة في قيادة العراق وتوجيهه في الاتجاه الذي يريدونه وإن بالقوة, لم تأت أثناء عراك في الشارع أو في ملعب كرة قدم أو بين تلاميذ مدرسة ابتدائية أو بسبب التنافس على شيء ما وإنما جاءت أثناء وبعد أن احتلت قوات بوش وأوباما أرض الرافدين وعاثت فيها فساداً وأطلقت العنان للقتل والتخريب والتهجير والسلب والنهب وهتك الأعراض والعمل على تخريب اللحمة المجتمعية العراقية وكل ما من شأنه مسخ كرامة الإنسان.

هناك من يرى أن الاحتلال هو الشتيمة الكبرى، بل هو أكبر من كل الشتائم لأنه السبب في كل ما يجري. ولهذا يحاجّ هؤلاء بأن التركيز ينبغي أن يكون على الدوام منصباً على الاحتلال لا على غيره من رزايا. ولفتُ الانتباه إلى جملة قالها أوباما هي نوع من صرف النظر عن الكبائر وإمعان النظر في الصغائر.

نعم, الاحتلال هو الشتيمة الكبرى. لكن هذه الشتيمة الجديدة هي شتيمة مضافة وعلى العراقيين يجب أن يشعروا بالألم لها. نعم، الاحتلال جرح كبير في كرامتنا، وجملة أوباما هذه عبارة عن رشة ملح يذرها على هذا الجرح الكبير. فما يؤلم في الأمر أن الذي ارتكب جريمة الاحتلال لم يكفه كما يبدو ما قام به من فعل شنيع بل راح يتباهى ويتبجح بما فعل على رؤوس الأشهاد.

بالنسبة للداخلين في ما يسمى العملية السياسية، لا يعدو الأمر بالنسبة لهم أن يكون جملة عابرة قيلت في سياق نجاح "المشروع السياسي العراقي" الذي قامت على وضع أسسه ودعمته واشنطن بجهدها العسكري والسياسي. ولهذا، فهو يعد نجاحاً لهذا المشروع من خلال أو نتيجة لنجاح الجهد العسكري الأمريكي في العراق، بصرف النظر عن عدد القتلى والأرامل واليتامى والمهجرين والخراب الذي طال البنية التحتية والفوقية. فهذه الخسائر في الجانب البشري والمادي ليست أكثر من ثمن ما هم فيه من وضع لم يكونوا يحلموا به. ولهذا أيضاً، لن يشعر هؤلاء بأي وخز في اللحم الحي.

أما بالنسبة لمناهضي الاحتلال، فالأمر مختلف تماماً؛ فهذه الشتيمة وقبلها الشتيمة الكبرى، الاحتلال، وكل ما نجم عن هذا الاحتلال من أوضاع وأجنة مشوهة، هي شتائم واضحة الأهداف ومرفوضة تماماً ولن تمر هكذا، سيأتي حسابها ذات يوم... لكنه سيأتي دون ريب. فما يسمى العملية السياسية في نظر هؤلاء ليس أكثر من عملية خيانية للوطن وأبجديات الوطنية يعاقب الداخلون فيها في كل أنحاء المعمورة بما يعاقب به مرتكبو جريمة "الخيانة العظمى" High Treason لأنها نوع من التعاون مع العدو في وقت الحرب، ويُنظر في ذلك دساتير الأمم الأخرى مثل دستور الولايات المتحدة وبريطانيا (دستورها غير مكتوب) ودستور فرنسا، وغيرها للاطلاع على النصوص القانونية وكيف تنظر إلى جريمة "الخيانة العظمى"، أي جريمة التعاون مع العدو في زمن الحرب.

المقاومة، ومناهضو الاحتلال ليسوا جماعة من المتمردين، كما يصورهم الإعلام الأمريكي وتابعه العربي، وهم ليسوا معارضي نظام حكم شرعي ينبغي لهم الانصياع لما تمليه عليهم نتائج صناديق الانتخابات. فأي انتخابات في ظل الاحتلال لا يمكن أن يعتد بها لأنها بكل بساطة غير شرعية. هذا ليس كلام كاتب هذه السطور إنما هو كلام قاله بوش شخصياً ذات يوم قبيل الانتخابات التشريعية في لبنان عام 2005، حينها أكد أنه لا يمكن إجراء أي انتخابات في لبنان في ظل ما سماه آنذاك الاحتلال السوري للبنان، وأنه ما لم يخرج آخر جندي سوري من لبنان فلا يمكن إجراء تلك الانتخابات لأنها ستكون مزورة وتفتقر للمصداقية. فماذا يقول هو وأوباما وغيرهم من قادة الاحتلال والمروجين له في انتخابات العراق في ظل احتلال قوات ما زال تعدادها بمئات الألوف؟ هل يعتبر وجود هذه القوات "شرعياً"؟ وكيف حقق بيترايوس نجاحاً في العراق طالما أن العراقيين هم سادة أنفسهم وهم الذين يحكمون أنفسهم بأنفسهم؟ وأي تجربة ناجحة سينقل بيترايوس لأفغانستان؟

نشر في موقع منظمة "كتاب عراقيون من أجل الحرية" بتاريخ السبت 26/6/2010 على الرابط التالي:
http://iwffo.org/index.php?option=com_content&view=article&id=17547:2010-06-26-03-50-34&catid=1:2009-05-11-20-40-15&Itemid=2

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق