صباحية مباركة يا عروسة!
عبد الله الصابر
الدوحة – قطــر، 15/6/2010
عفواً لاستخدام هذا المقطع من أغنية أفراح للفنانة المصرية المعروفة، شريفة فاضل، كنا نسمعها في سالف الأيام من ستينيات وسبعينيات، وحتى ثمانينيات القرن الماضي. لست أدري لماذا تذكرته، أو لماذا يرن في أذني بإلحاح بعد أن سمعت بطلب حكومة الاحتلال الحالية في العراق المحتل أن يسلم الذين انخرطوا في ما عرف بالصحوات سلاحهم.
كانت سنوات الاحتلال عجافاً قاسية، حتى بالنسبة لأكثر المتفائلين بهذا الاحتلال. قـُتل كثيرون من صفوة العراقيين ومن أناسهم العاديين. اغتصبت حرائر كانت شوارب الرجال تهتز إن حاولت كف الغدر والخسة والدناءة مس إحداهن، ووصل حد الخنجر إلى اللحم الحي فاغتصب الرجال في بلد الرسالات والأنبياء والأولياء، تحت رايات الأولياء. ووصل الحال ببعض المتنفذين فيه إلى التمادي وتصوير فتوحاتهم وجهادهم مع "الساقطات" من أمثالهم بالصورة والصوت ونشرها على الملأ، دون وازع من أخلاق أو ضمير، ودون أدنى حساب من كبير. ورُوّع كثيرون آخرون فاضطروا للهرب والنزوح طلباً للنجاة بأرواحهم وبما تبقى من أرواح أحبائهم. حورب من بقي في أمنه ولقمة عيشه وأصبح بعضهم ورقة في اللعبة السياسية. وفقدَ بلد الحضارة حضارته وعقله بعد قتل وتهجير علمائه وأطبائه ومهندسيه وشعرائه وكتـّابه ورساميه ومثقفيه، وأحرق القادمون تاريخه. وبعد أن حصل البلدُ على شهادة اليونيسكو ذات يوم بقضائه على الأمية أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، تقول إحصاءات الحكومة إن نسبة الأمية اليوم بين أجياله الجديدة تكاد تصل إلى النصف. ووصل الفساد الحكومي إلى مستويات فلكية وحقق العراق على أيدي "حكامه" الجدد أعلى النسب في مجال الفساد وقلة الأمن والخراب، كما نهبوا ثرواته وأصبح كثير منهم يملكون سلاسل فنادق ومطاعم ومباني في عواصم الدنيا ومدنها الكبرى. هذا في جانب، ومن جانب آخر، كان جيش احتلال آخر يعمل في الظل على تمزيق اللحمة المجتعية، يشتري ذمة من هو مستعد للبيع، يفجّر السيارات المفخخة والعبوات بجميع أنواعها في الشوارع والأسواق ويوغر صدر هذا ضد ذاك باستهداف تلك المؤسسة التابعة لفئة مجتمعية معينة أو هذا المقدس لدى فئة مجتمعية أخرى، فضلاً عن استمراء بعض ضعاف النفوس ممن يرون أن الوضع استقر لصالحهم واستغلالهم حالة انعدام السلطة الرادعة في استهداف العناصر المجتمعية الأخرى. وإلى جانب ذلك، كانت وسائل الإعلام والدعاية الضخمة التابعة للاحتلال وأعوانه تقوم بأقصى ما في وسعها لإسقاط فكرة "المقاومة" وتحويل صورتها في ذهن المواطن والمتابع إلى صورة دموية قميئة لا يستسيغها ولا يرغب في دعمها واحتضانها.
السنوات ذاتها، خصوصاً سنة ألفين وستة، كانت قاسية على المحتل وجنوده وأعوانه إلى الحد الذي بدأ يعطي معه إشارات على أنه سيضطر لسحب ما تبقى من قواته. لكن، وبدلاً من أن يقدم الجنرالات الأمريكيون الميدانيون تقريراً لرئيسهم بضرورة سحب القوات في أسرع وقت، كان التقرير يتحدث عن تحقيقهم نجاحاً يعد كبيراً بكل المقاييس الآنية وهو أنهم تمكنوا من إقناع "العراقيين" بمحاربة ما سموه "الإرهاب"؛ صوروا "المقاومة" على أنها "إرهاب" يستهدف العراقيين لا "مقاومة" تستهدف الاحتلال. فكان المنعطف بتشكيل ما سمي "الصحوة"، التي أصبحت سلاحاً بيد الاحتلال لضرب المقاومة وكل من يستهدف الاحتلال على الأرض. وإذا بطائرة رئيس الغزو والاحتلال الأمريكي، جورج بوش، تحط في الرمادي، المنطقة التي شبهها الأمريكيون قبل ذلك بالغرب الأمريكي ومثلت طوال السنوات السابقة كابوساً قاتلاً للمحتلين. نزل بوش ضيفاً على قادة "الصحوة". وفي تأكيد على أن بوش رئيس قوة احتلال وأن تسليم للسلطة للعراقيين لم يكن أكثر من نكتة سمجة ومؤذية، وأنه لا يعترف أصلاً بكل "أصحاب السيادة والدولة" وأنهم لا يعنون له أكثر من شيء يمكن أن يلبس بالقدمين لعبور مكان ما، لم يذهب للعاصمة، بغداد، ولم يلتق أياً من أعضاء الحكومة هناك، بل طلب من بعضهم، الرئيس ونائبه، الحضور إلى الرمادي لحضور المناسبة العظيمة. وبدأت فترة شهر عسل ظن هؤلاء أنها ستطول ولم يعلموا أنهم مثل أولئك الذين لا يعترف بهم بوش وأنه إنما يحتاجهم فقط لتجاوز مرحلة معينة وأنه سيلبسهم مثلما لبس أولئك. صحيح أن الدنانير والدولارات والتومانات وربما الشيكلات انهالت عليهم وكدسوها وصارت لهم أملاك في بعض عواصم ومدن الدنيا وصار لهم خدم وحشم إلى الحد الذي أنساهم أن هناك قيماً معينة لا تباع ولا تشترى، لكنهم يعرفون في قرارة نفوسهم أحجامهم الحقيقية وقدْرَهم عند العراقيين. وهذا ما بدا واضحاً في المواجهة الأولى مع حقيقة تخلي المؤسسة الرسمية والاحتلالية عنهم. فقد نقلت وكالات الأنباء حينها تهديدات أطلقها بعض قادة هذه "الصحوات" بأنهم سيعودون للعمل في صفوف "المقاومة" التي يعرفون أنها مقاومة حقاً ولم تكن يوماً إرهاباً. كما نقلت تصريحات لبعضهم بأنهم وقعوا ضحية نصب واحتيال وأنهم إن تخلت عنهم قوات الاحتلال والدولة فسيصبحون هدفاً لما سموها "الجماعات الإرهابية". لكنهم قد لا يعلمون أن الاحتلال و"الدولة" يعرفان أن هذه الجماعات التي وصموها بالإرهاب لن تقبلهم في صفوفها وستترصد لهم بالنظر لما هم عليه من وصف بعد أن باعوا قيم الوطنية بثمن بخس، وأن الاحتلال لن يقبلهم بعد أن يكون قد استنفد طاقاتهم ومنفعتهم، كما أن "الدولة" الحالية هي الأخرى لن تقبلهم بما هي عليه من وصف طائفي إقصائي.
لقد كانت "الصحوة" قصيرة العمر؛ أسِفنا لولادتها وبالتأكيد لن نأسف لرحيلها. وما يجري في المناطق التي يفترض أنها تقوم بحمايتها يشير إلى أن علاقة الدنس والفحش التي كانت بينها وبين المحتل لا تعدو أن تكون أكثر من "زواج متعة"، عمره محدود، ودوافعه معروفة. فها هما الاحتلال والدولة يتخليان عن "الصحوة" في بعض المناطق ويطالبانها بتسليم أسلحتها، لا بل تتهمها "حكومة" الاحتلال بأنها تقوم بعمليات "إرهابية" تمهيداً لإنهائها بأقسى ما يمكن من عاقبة. طبعاً, هناك أهداف أخرى من وراء ذلك، خصوصاً في محافظة ديالى. والمتابع لا تخفى عليه تلك الأهداف التي تتلخص في طرد السكان السـُّـنة من منطقة الحزام الجنوبي للعاصمة بغداد، وهو ما يجري منذ فترة ليست بالقصيرة، وكذلك طردهم من منطقة ديالى بغية إزالة أي عوائق بين بغداد والحدود الإيرانية. نقول "للصحوة" التي ما كان ينبغي لها أن تكون: صباحية مباركة يا "صحوة"! صباحية مباركة يا عروسة! فالعرس تم, والسامر انفض. وقضى العريس وطره.
تم نشره أولاً في موقع (منظمة كتاب عراقيين من أجل الحرية) على الرابط التالي:
http://www.iwffo.org/index.php?option=com_content&view=article&id=16860:2010-06-15-20-30-51&catid=1:2009-05-11-20-40-15&Itemid=2
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق